محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بينكم بالخمر والميسر . وَاحْذَرُوا يقول : واتقوا الله وراقبوه أن يراكم عندما نهاكم عنه من هذه الأمور التي حرمها عليكم في هذه الآية وغيرها ، أو يفقدكم عندما أمركم به فتوبقوا أنفسكم وتهلكوها . فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يقول : فإن أنتم لم تعملوا بما أمرناكم به وتنتهوا عما نهيناكم عنه ورجعتم مدبرين عما أنتم عليه من الإيمان والتصديق بالله وبرسوله واتباع ما جاءكم به نبيكم . فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ يقول : فاعلموا أنه ليس على من أرسلناه إليكم بالنذارة غير إبلاغكم الرسالة التي أرسل بها إليكم ، مبينة لكم بيانا يوضح لكم سبيل الحق والطريق الذي أمرتم أن تسلكوه ؛ وأما العقاب على التولية والانتقام بالمعصية ، فعلى المرسل إليه دون الرسل . وهذا من الله تعالى وعيد لمن تولى عن أمره ونهيه ، يقول لهم تعالى ذكره : فإن توليتم عن أمري ونهيي ، فتوقعوا عقابي واحذروا سخطي . القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا يقول تعالى ذكره للقوم الذين قالوا إذ أنزل الله تحريم الخمر بقوله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ : كيف بمن هلك من إخواننا وهم يشربونها وبنا وقد كنا نشربها : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ منكم حرج فيما شربوا من ذلك في الحال التي لم يكن الله تعالى حرمه عليهم ، إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يقول : إذا ما اتقى الله الأحياء منهم ، فخافوه وراقبوه في اجتنابهم ما حرم عليهم منه وصدقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم ، فأطاعوهما في ذلك كله . وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يقول : واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله في ذلك مما كلفهم بذلك ربهم . ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا يقول : ثم خافوا الله وراقبوه باجتنابهم محارمه بعد ذلك التكليف أيضا ، فثبتوا على اتقاء الله في ذلك والإيمان به ، ولم يغيروا ولم يبدلوا . ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا يقول : ثم خافوا الله ، فدعاهم خوفهم الله إلى الإحسان . وذلك الإحسان هو العمل بما لم يفرضه عليهم من الأعمال ، ولكنه نوافل تقربوا بها إلى ربهم طلب رضاه وهربا من عقابه . وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ يقول : والله يحب المتقربين إليه بنوافل الأعمال التي يرضاها . فالاتقاء الأول : هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل ؛ والاتقاء الثاني : الاتقاء بالثبات على التصديق وترك التبديل والتغيير ؛ والاتقاء الثالث : هو الاتقاء بالإحسان والتقرب بنوافل الأعمال . فإن قال قائل : ما الدليل على أن الاتقاء الثالث هو الاتقاء بالنوافل دون أن يكون ذلك بالفرائض ؟ قيل : إنه تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الجناح عن شاربي الخمر التي شربوها قبل تحريمه إياها إذا هم اتقوا الله في شربها بعد تحريمها وصدقوا الله ورسوله في تحريمها وعملوا الصالحات من الفرائض . ولا وجه لتكرير ذلك ، وقد مضى ذكره في آية واحدة . وبنحو الذي قلنا من أن هذه الآية نزلت فيما ذكرنا أنها نزلت فيه ، جاءت الأخبار عن الصحابة والتابعين . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري وأبو كريب ، قالا : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما نزل تحريم الخمر قالوا : يا رسول الله ، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ؟ فنزلت : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ الآية . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الله ، عن إسرائيل بإسناده ، نحوه . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثني عبد الكبير بن عبد المجيد ، قال : أخبرنا عباد بن راشد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : بينا أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبي دجانة ، حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر ، فسمعنا مناديا ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت قال : فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال . وتوضأ بعضنا